ابن الجوزي

353

صفة الصفوة

1013 - عابدة أخرى أبو عياش القطان بلغنا أنه كان ملك كثير المال وكانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها ، وكان يحبها حبا شديدا . وكان يلهيها بصنوف اللهو . فمكث كذلك زمانا ، وكان إلى جانب الملك عابد ، فبينا هو ذات ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ سورة التحريم آية 6 ] فسمعت الجارية قراءته فقالت لجواريها : كفّوا . فلم يكفّوا وجعل العابد يردّد الآية والجارية تقول لهم : كفّوا . فلم يكفوا . فوضعت يدها في جيبها فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصة . فأقبل إليها فقال : يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة ؟ ما يبكيك ؟ وضمّها إليه . فقالت : أسألك باللّه يا أبه ، للّه عزّ وجل دار فيها نار وقودها الناس والحجارة ؟ قال : نعم . قالت : وما يمنعك يا أبه أن تخبرني ؟ واللّه لا أكلت طيّبا ولا نمت على ليّن حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار ؟ 1014 - عابدة أخرى سعيد أبو عثمان ، ثقة من أهل العلم ، قال : نظر رجل إلى امرأة فقال : ما رأيت مثل هذا الحسن وهذه النضارة ، وما ذاك إلا من قلّة الحزن . فقالت : يا عبد اللّه ، واللّه إني ليذبحني الحزن ما يشركني فيه أحد . قال : وكيف ؟ قالت : ذبح زوجي شاة مضحّيا ، ولي صبيّان يلعبان ، فقال أكبرهما للأصغر : أريك كيف صنع أبي بالشاة ؟ فعلّقه فذبحه فما شعرنا به إلا متشحّطا « 1 » ، فلما استعلت الضجة هرب الغلام ناحية الجبل فرهقه « 2 » ذئب ، فأكله ، ونحن لا نعلم ، واتبعه أبوه يطلبه فمات عطشا ، فأفردني الدهر ، قال : فكيف صبرك ؟ قالت : لو رأيت في الجزع مدركا ما اخترت عليه . 1015 - عابدة أخرى أبو بكر بن عبيد قال : حدثني عبيد اللّه بن محمد أنه سمع امرأة من المتعبّدات تقول وبكت : واللّه لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا

--> ( 1 ) أي مضرجا بدمه . ( 2 ) أي لحقه .